ابراهيم بن عمر البقاعي
187
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما أبطل شبهتهم بشعبتيها بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة ، قرب ذلك بدليل واحد في شخص واحد فقال : قُلْ يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة الذين يظنون أن الرزق بحسب حسن السعي وقبحه أو حسن حال الشخص عند اللّه وقبحها : إِنَّ رَبِّي أي المحسن إليّ بهذا البيان المعجز يَبْسُطُ الرِّزْقَ أي متى شاء لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي على سبيل التجدد المستمر من أيّ طائفة كان وَيَقْدِرُ لَهُ أي يضيق عليه نفسه في حالتين متعاقبتين ، وهو بصفة واحدة على عمل واحد ، فلو أن الإكرام والإنعام يوجب الدوام لما تغيرت حاله من السعة إلى الضيق ، ولو أن في يده نفع نفسه لما اختلف حاله . ولما بين هذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه سبب للسلامة من النار . دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ أي أنتم وأخصامكم وغيرهم فَهُوَ يُخْلِفُهُ أي لا غيره بدليل أن المنفق قد يجتهد كل الاجتهاد في الإخلاف فلا ينفق ، فدل ذلك على أنه المختص بالإخلاف ، ولأن هذا هو المعنى لا أنه ضمن الإخلاف لكل ما ينفق على أي وجه كان ، قال مجاهد كما نقله الرازي في اللوامع : « إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول الآية ، فإن الرزق مقسوم ، وما عال من اقتصد » « 1 » كما رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي اللّه عنه مرفوعا ، والمعنى أنه قد دل الإخلاف على جميع الأشكال والأضداد على أن الأمر فيه على غير ما ظننتم من الإسعاف به في وقت موجب للإكرام على الدوام ، وأن ذلك إنما هو لضمانه الرزق لكل أحد بحسب ما قسمه له على ما سبق به علمه وقدرته حكمته ، وتارة يكون إخلافه حسا وبالفعل ، وتارة يكون معنى وبالقوة ، بالترضية بتلك الحالة التي أدت إلى العدم ، قال القشيري : وهو أتم من السرور بالموجود ، ومن ذلك الأنس باللّه في الخلوة ، ولا يكون ذلك إلا مع التجريد - انتهى . والمنفق بالاقتصاد داخل إن شاء اللّه تعالى تحت قوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الشيخان : البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال اللّه تعالى : « أنفق أنفق عليك » « 2 » وما روى الشيخان وابن حبان في صحيحه أيضا « ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا » « 3 » فهو خير الموسعين وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * أي الذين تعدونهم هذا
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 4269 بترقيم أحمد شاكر والطبراني في الكبير 10118 والقضاعي 769 و 770 من حديث ابن مسعود وفيه إبراهيم الهجري غير قوي . ( 2 ) أخرجه البخاري 5352 ومسلم 993 وأحمد 2 / 242 من حديث أبي هريرة . ( 3 ) أخرجه البخاري 1442 ومسلم 1010 وأحمد 2 / 306 من حديث أبي هريرة . وفي الباب من حديث أبي الدرداء .